القاضي عبد الجبار الهمذاني
269
تثبيت دلائل النبوة
وأنت تجدهم وقد شهدت افعالهم بأنهم بعد موته أشد حبا له ، وأشد بصيرة في دينه . ثم إن أبا بكر عاد من السقيفة وقام خطيبا ، وأخبر المهاجرين بما كان وقال : واللّه ما أردت الامارة ، ولا نويتها ، ولا تمنينها في يوم ولا ليلة ، ولا رغبت فيها ، ولقد حرصت أن اجعلها في عمر فما تركت ، وإنما قبلتها خشية الفتنة ، ولأنه لم يكن عليّ أمير ، وقد رجعت أموركم إليكم فاقيلوني وولوا من شئتم . فقال له عليّ : واللّه لا يقيلونك ولا يستقيلونك ، رضيك رسول اللّه لديننا فرضيناك لدنيانا ، قدّمك رسول اللّه فمن ذا يؤخرك ، فصوّب الصحابة جميعهم قوله واستحسنوه « 1 » . وانظر اعترافهم ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قد اعطى أبا بكر أكثر مما اعطوه ، وعجب علي رضي اللّه عنه من طمع الأنصار في الامارة وقال : أما سمعوا قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم : « أوصيكم بالأنصار خيرا ، اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم « 2 » » ، فلو كانوا هم الامراء لكانت الوصية لهم لا فيهم ، ولكن نتجاوز لهم كما وصّى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، واللّه يرحم الأنصار . فان قال : انهم لم يعارضوا أبا بكر / خوفا وتقية ، فقد بيّنا غير مرة ان سلطان هؤلاء الخلفاء الأربعة لم يكن سلطانا يتقيه محق . وقيل : إن أبا سفيان لقي علي بن أبي طالب بعد البيعة لأبي بكر فقال له : يا أبا الحسن ، ما بال هذا الأمر في أقل حيّ من قريش ، إنما هي بنو عبد مناف ، إن شئت ملأتها على أبي بكر خيلا ورجلا ، فقال له علي : ما
--> ( 1 ) كتب في الحاشية : صوابه ان مقامه بعد قتل مسيلمة ( 2 ) انظر الحديث في مناقب الأنصار .